ابن المقفع

138

الآثار الكاملة ( الأدب الصغير / الأدب الكبير / رسالة الصحابة / الدرة اليتيمية في الأدب / كتاب اليتيمة في الرسائل / حكم ابن المقفع )

أمر الجند فمن الأمور التي يذكر بها أمير المؤمنين أمتع اللّه به ، أمر هذا الجند من أهل خراسان فإنّهم جند لم يدرك مثلهم في الإسلام وفيهم منعة « 1 » بها يتمّ فضلهم إن شاء اللّه . أما هم فأهل بصر بالطّاعة وفضل عند الناس وعفاف نفوس وفروج وكفّ عن الفساد وذلّ للولاة فهذه حال لا نعلمها توجد عند أحد غيرهم . وأما ما يحتاجون فيه إلى التأديب من ذلك تقويم أيديهم ورأيهم وكلامهم فإنّ في ذلك القوم أخلاطا « 2 » من رأس مفرط غال وتابع متحير شاك . ومن كان إنّما يصول « 3 » على الناس بقوم لا يعرف منهم الموافقة في الرأي والقول والسّيرة . . فهو كراكب الأسد الّذي يوجل من راه ، والراكب أشدّ وجلا . فلو أنّ أمير المؤمنين كتب لهم أمانا معروفا بليغا وجيزا محيطا بكلّ شيء يجب أن يعملوا فيه أو يكفّوا عنه بالغا في الحجّة قاصرا عن الغلوّ ، يحفظه رؤساؤهم حتّى يقودوا به دهماءهم « 4 » ويتعهدوا به منهم من لا يؤبه له من عرض الناس لكان ذلك إن شاء اللّه لرأيهم صلاحا وعلى من سواهم حجة وعند اللّه عذرا . فإنّ كثيرا من المتكلمين من قوّاد أمير المؤمنين اليوم إنما عامة كلامهم فيما يأمر الامر ويرغم الراغم وأنّ أمير المؤمنين لو أمر الجبال أن تسير سارت ولو أمر أن تستدبر القبلة بالصلاة فعل ذلك . وهذا كلام قلّما يرتضيه من كان مخالفا ، وقلّما يرد في سمع السامع إلا أحدث في قلبه ريبة وشكا ، والذي يقول أهل القصد من المسلمين هو أقوى

--> ( 1 ) المنعة : العزّة والقوة التي تمنع من يريد أحدا بسوء . ( 2 ) الأخلاط : الأصناف المخلوطة . ( 3 ) يصول : يسطو ، يقهر . ( 4 ) الدهماء : الجماعة من النّاس .